كوردى   | العربية
 
 
 
 
الرئيسة من نحن رسالتنا راسلنا
اليوم: 28-10-2020
 
 
 
الأخبار البيانات‌ المنشورات الفتاوى مواقع ذات صلة
تاريخ الكتابة: 16/07/2012 : 14:30:43
حجم فونت
جريمة الأنفال وتأثيراتها في البنية الاجتماعية- الاقتصادية

بما أن عمليات الأنفال تندرج تحت جرائم الإبادة الجماعية والتي تعرف بأنها مجموعة من الأفعال هدفها تدمير حياة مجتمع ووطن لإبادته. وذلك من خلال تدمير مؤسساته أو أسسه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية واللغوية ومشاعره الوطنية والدينية. وبما أن جريمة الأنفال شملت إبادة أعداد كبيرة من السكان لذلك لا بد أن تكون لها تأثيرات عميقة ومتشعبة ومتبادلة الـتأثير في البنية الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية لسكان إقليم كردستان خصوصا والعراق عموما.

فقد عانت كردستان من عمليات الأنفال عام 1988 وما قبلها وطبقاُ للمصادر الكردية فقد تم تصفية 180000 شخص بعد ترحيلهم قسراً من كردستان وتدمير 3000 قرية. ونزح 300000 شخصاً في نهاية الأنفال واستخدمت الأسلحة الكيمياوية في مدينة حلبجة في ربيع 1988 كما هو معروف حيث أستشهد 5000 وغادر المدينة آلاف وكانت عواقب هذه الأسلحة كبيرة على الأشخاص الباقين على قيد الحياة وعلى أسرهم.

وبما أن الوفيات هي أحدى المكونات الرئيسية الثلاثة التي تقرر معدل النمو السكاني إلى جانب الولادات والهجرة في أي مجتمع لذا فهي تؤثر في مجمل البنية الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية للسكان وفي هجرتهم وتوزيعهم الجغرافي.

  وإذا عدنا إلى الوراء فقد كانت معدلات الوفيات في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات بشكل ثابت أكثر ارتفاعاً في كردستان مقارنة بجنوب ووسط العراق ولكنها في نهاية الثمانينات اقتربت من تلك العائدة للوسط والجنوب. وبعد حرب الخليج الثانية ارتفعت في كردستان إلى مستويات أواخر السبعينات. وبعد 1991 حدث انخفاض حاد في معدلها لكن من 1993 إلى 1998 كان الانخفاض الإضافي قليلاً. يعود ارتفاع معدلات الوفيات في كردستان إلى العمليات العسكرية التي نفذتها الحكومة المركزية منذ بداية الستينات ضد الحركة الكردية أما الانخفاض الأخير فيعود إلى خروج إقليم كردستان عن سلطة الحكومة المركزية بعد انتفاضة 1991 وعدم تأثره بالعقوبات بنفس القدر الذي طال بقية العراق.

لو توفرت لدينا معطيات دقيقة عن البنية العمرية والجنسية (النوعية) والعائلية وبنية السكان النشيطين اقتصاديا للمجموعة المؤنفلة لأمكننا أن نحسب ما تركته هذه الإبادة من تأثيرات على البنى السكانية في كردستان. فعلى سبيل المثال ما هي  نسبة الأطفال تحت عمر 15 سنة؟ وكم نسبة الأشخاص في عمر 15-64 سنة؟ وهي فئة الأشخاص النشيطين اقتصاديا.  وما هي نسبة الأشخاص أكثر من عمر 65 سنة؟ وما هي نسبة الجنس (النوع) أي نسبة الذكور لكل 100 من الإناث؟ وما نسبة المتزوجين والعزاب؟ وما هي البنية العائلية لهذه المجموعة أي متوسط حجم الأسرة؟ كل هذه المعطيات مهمة في أي دراسة أكاديمية جادة لمعرفة مدى التأثيرات التي تركتها هذه التصفية الهمجية لهذه الأعداد البريئة من السكان.

من ناحية التوزيع الجغرافي للسكان فلقد ولدت إبادة هذا العدد الضخم من الأشخاص تغيرات كبيرة في الكثافة السكانية وخلقت مناطق فارغة أو شبه فارغة من السكان. وانعكست سلبا على توازن  توزيع السكان والكثافة السكانية سواء كانت الكثافة العامة أو الإنتاجية أو الزراعية. وأثرت سلبا على توازن البيئة الطبيعية التي أهملت جراء هذا الفراغ السكاني. والدليل على تغير توزيع السكان والكثافة السكانية ما يشير له مسح الأحول المعاشية في العراق لعام 2004من أن سكان كردستان أكثر من أجبروا على تغيير محل إقامتهم بسبب الحرب. وفي تقديرنا يدخل تحت باب الحرب هنا الحرب الداخلية الموجهة لقمع الحركة الكردية حيث في الأجمال أجبر 26% من السكان على تغيير محل إقامتهم. في حين كانت النسبة 3% لكل من بغداد والمنطقة الوسطى و2% للمنطقة الجنوبية. هذا على مستوى المناطق أما على مستوى المحافظات فأكثر محافظة عانت من النزوح القسري هي دهوك حيث أجبر 66% من سكانها على تغيير محل إقامتهم وتلتها السليمانية بنسبة 31% وأربيل 7% أما البصرة ونينوى بنسبة 4% لكل منهما.

تؤثر الحروب على سلوك معدل الخصوبة (متوسط عدد الأطفال الأحياء لكل امرأة خلال فترة خصوبتها من 15-49 سنة)  وهذا ينطبق على العراق وغيره من الدول التي مرت بنزاعات عسكرية. فمثلا شهدت مصر انخفاضاً في معدلات الخصوبة في فترات الحروب الكبيرة. وحصدت الحرب الأهلية اللبنانية 150 ألف نسمة إلى جانب مئات الألوف من المعاقين، وساهمت بانخفاض معدل النمو السكاني إلى 0.3% في الفترة 1973-1983. فما بالك بالعراق الذي تعرض لحروب داخلية معلنة بالأخص في كردستان وأخرى غير معلنة إضافة إلى الحروب الخارجية على نطاق واسع. لذلك انخفض المعدل السنوي لنمو السكان من 3.8% عام 1977إلى 2.4% عام 1987. وأوردت مثال لبنان للمقارنة لأن كان عدد  سكانه  كان 2767300 نسمة عام 1975 وهو إلى حد ما مقارب لعدد سكان كردستان عام 1987 البالغ  2015466 نسمة والذي أرتفع إلى 3941529 عام 2007. أنظر جدول (1) أي أن سكان كردستان تضاعف عددهم تقريبا خلا ل عشرين سنة مما يعني أن معدل الزيادة الطبيعة للسكان (الفرق بين الولادات والوفيات) بلغت 3.5%. إن فقدان هذه الأعداد الكبيرة يؤثر أكثر في سلوك خصوبة الشعوب القليلة العدد. ومن حسابنا لنسبة النمو السكاني في كردستان للفترة 1987-2007 يتبين أن النسبة العامة بلغت (95.6%) وفي دهوك (72.3%) والسليمانية (99.0%) وأربيل (100.2%). من المؤكد أن هذا النمو لا يتأثر بمعدل الوفيات فقط  وإنما يتأثر أيضا بمعدل الولادات وبمعدل صافي الهجرة أي الفرق بين الهجرة الداخلة والخارجة وهل هو ايجابي أم سلبي. إذن لو بقت هذه المجموعة المؤنقلة  من الأشخاص على قيد الحياة لانطبقت عليها نسبة النمو السكاني المذكورة ولأصبح عددها الآن حوالي 400 ألف نسمة. وهذا العدد اكبر من حجم سكان مدينة أوترخت (307081 نسمة في عام 2009) علما أنها رابع مدينة كبيرة الحجم في هولندا.

جدول (1) عدد سكان محافظات إقليم كردستان ونسبة النمو الإجمالي.

 لا تتمثل الخسارة البشرية هنا بهذا العدد الذي أبيد فقط  كما بينا لأن الزيادة السكانية تكون مركبة كل زيادة ينتج عنها زيادة أكبر بحكم أن النمو السكاني يندرج تحت المرحلة التي تمر بها أغلب الدول النامية التي تشهد نموا سريعا في معدل النمو السكاني رغم انخفاض هذا المعدل في السنوات الأخيرة لأسباب كثيرة أهمها ما شهدته البنية الاجتماعية-الاقتصادية من تحولات ومن أهمها انتشار الطب الوقائي والعلاجي والتعليم. ثم أن هذه المجموعة تشمل أشخاص في طور الإنجاب وشباب وأطفال مرشحين للدخول إلى هذه المرحلة. كذلك نتج من الأنفال عدد كبير من الأرامل اللاتي توقف إنجابهن لأن النسبة الأكبر منهن لم تتمكن من الزواج ثانية. حيث تبين من دراسة عينة على العراق للنساء اللاتي فقدن أزواجهن في الحرب أن نسبة 90.5% لم يتزوجن ثانية. في النتيجة هذه الإبادة لابد أن تساهم في خفض معدل الخصوبة من خلال تأثيرها أيضا في البنية النوعية والعمرية للسكان. 

أما بالنسبة لتأثير عمليات الأنفال في البنية العمرية فهذا العدد كاف لإحداث تغيير واضح في هرم السكان. حيث يلاحظ انحراف شبه محوري في هرم السكان في العراق لعام 2004 بدلا من شكل الدرج المتوقع للرجال بين عمر 40-49 سنة ويوحي هذا بوجود تأثيرات للحرب العراقية-الإيرانية لأن هذه الفئة كانت في سن الخدمة العسكرية أثناء الحرب. وفي تقديرنا يضاف لهذه التأثيرات الإبادة التي تعرض لها الشعب الكردي ومنها الأنفال وكذلك الإبادة التي أعقبت قمع الانتفاضة عام 1991 في بقية العراق. ولو رسمنا هرما لسكان كردستان لكان الانحراف أكبر بسبب عدد السكان الأقل. وهذا التأثير بدوره يؤثر في  معدل الخصوبة لأن أغلب من استشهدوا هم في سن الإنجاب.

تتمثل التأثيرات في البنية الاقتصادية والمهنية في أن هذه المجموعة تشمل أشخاص هم ضمن الفئة النشيطة اقتصاديا أي التي تقع أعمارهم ما بين 15-64 سنة جدول (2) ومن ثم فإن فقدانهم يعني فقدان قوى عاملة تضيف قيما اقتصادية وهذا لا بد أن ينعكس سلبا على معدل النمو الاقتصادي في كردستان خصوصا والعراق عموما. حيث يلاحظ أن معدل النشاط الاقتصادي لمجموع السكان في دهوك 36.2% وانخفاضه هذا لا بد وأن يكون له علاقة مع عمليات الأنفال على اعتبار أن هذه المحافظة هي التي شهدت هذه العمليات اللا إنسانية بشكل رئيسي. ثم أن وسط  هذه المجموعة  لا بد أن يكون هناك عدد غير قليل من أصحاب الكفاءات الذين أنفق عليهم البلد الكثير من المال والوقت والجهد من أجل أن يصلوا لهذا المستوى من الـتأهيل العلمي.

جدول (2) معدل النشاط الاقتصادي للسكان لعمر 15 سنة فأكثر حسب المحافظة والجنس حسب مسح 2007. (النسبة المئوية).

ذلك ساهمت جريمة الأنفال في تمزيق النسيج الاجتماعي للمجتمع نتيجة إما اختفاء أسر بكاملها أو بعض أفرادها وما تركته تلك الحالة من تدهور الحالة النفسية وسط فئات واسعة من المجتمع الكردستاني.

وهناك تأثيرات غير مباشرة حيث أدت حملات الأنفال وما رافقها من قمع الحركة الكردية إلى ارتفاع معدلات الهجرة إلى الخارج وبالأخص إلى الدول الأوروبية لطلب اللجوء. ولذا نرى نسبة الأكراد في الجالية العراقية في أوروبا الغربية مرتفعة. وأغلب طالبي اللجوء من الشباب الذكور وهذا أثر بدوره على البنية العمرية والنوعية لسكان كردستان. حيث انخفضت نسبة الشباب وارتفعت نسبة كبار السن. وهذا لا بد أن يساهم في انخفاض الخصوبة بسبب أن الشباب المهاجر (الذكور والإناث) إما أن يكون مرشحا للدخول إلى مرحلة الإنجاب وإما أن يكون من المتزوجين الذين تنخفض الخصوبة وسطهم في الخارج نتيجة عدة أسباب منها تأثرهم في البيئة الاجتماعية-الاقتصادية التي يعيشون فيها والتي  تشهد انخفاضا بينا في معدل الخصوبة. كذلك ساهمت الهجرة في اختلال توازن البنية النوعية حيث رفعت نسبة الإناث ومن ثم ساهمت في ارتفاع نسبة العنوسة وسطهن. كذلك ساهمت في ارتفاع معدل الوفيات في كردستان على اعتبار أن الوفيات الطبيعية تحدث في الغالب وسط  كبار السن. أخيرا وكما أسلفنا أن أي تغير في أحد المكونات السكانية لا بد وأن يؤثر ويتأثر بشكل متبادل في المكونات الأخرى.



 

        Share
المقالات
مەلا عدنان رسول
في ذكرى وفاة العلامة الفهامة جوهرة الكرد في عصره الشيخ عبد الكريم المدرس
د. فادي الربابعة
هدي الإسلام في سبل الوقاية والعلاج من الأوبئة
د. ليلى السبيعي
الحجر الصّحي بين وصايا العلم وتوجيهات النبي (ص)
عبد الله خالد فائز المدرس
لماذا لا نفضل العزلة..؟
الدكتور محمد شكري زاويتي
لاتلعنوا كورونا
د. عبدالله ملا سعيد گرتكی*
وقفة ضرورية
أ. د شوقي علام؛ مفتي الديار المصرية
حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟
د. محمد شريف
التعریف بالحقوق الدستوریة لاقلیم کوردستان- العراق
حَمْد الله حافظ الصَّفْتي
حديث في التجديد
د. على جمعة
تجديد الخطاب الديني
  التقارير

الفتوى المشتركة بين مصر والأردن وكوردستان حول جرائم داعش

رئيس إتحاد علماء كوردستان العراق لـ(الرواق ): *التطرف الأعمى لم يخترق كردستان ... كل المحاولات الخبيثة فشلت

رئيس اتحاد العلماء: القضاء على داعش لن يكون عسكريا فقط


  رسالة العلماء
عدد الزيارة : 7380930
الرئيسة من نحن رسالتنا راسلنا
جميع الحقوق محفوظة لاتحاد علماء الدين الإسلامي في كوردستان ©            Powered by SALAYE Group