وسطية الإسلام واعتداله

                                                         د.احمد محمود كريمة 

أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر 

 

يتعامل الإسلام ـ دين الله سبحانه وتعالي‏,‏ للعالمين ـ مع الحياة الإنسانية الدنيوية بجوانبها المتعددة بشكل متوازن‏,‏ فلا يميل مع جانب علي حساب جانب آخر‏,‏ ولا يهتم بناحية دون النواحي الأخري‏.

فلا إفراط ولا تفريط, ولا غلو ولا تقصير, إنما اعتدال وتوازن, وتوسط وعناية ورعاية بكل جانب بالقدر الذي يستحقه دون جور علي ما سواه قال الله,جل شأنه:( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)( سورة البقرة:143) والوسط هنا علي ما قاله المفسرون انه العدل, وقيل: الخير والأجود.

ومن مظاهر التوازن في هذا الدين الاعتناء بالجانبين الجسدي والروحي في الحياة البشرية, ولذلك وضع القواعد الحكيمة التي تحقق التوافق بينهما, فالإنسان ـ علي ما هو معروف ـ روح وجسد وعقل, تتنوع حاجاته, وتتعدد رغباته, والله سبحانه وتعالي خالق الإنسان وموجده( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) سورة الملك14. ومن هنا فإن المنهج الإسلامي الراشد يلبي كل ما يحتاج إليه الإنسان, ويقيم التوازن بين مكوناته دون طغيان لمكون علي غيره, وبهذا تتحقق السعادة الحقيقية في أسمي صورها.

إن واقعية الإسلام وبعد نظرته الثاقبة الواعية لحقائق الأشياء جعلته يتفرد ويمتاز عما سواه بالصلاحية والاستمرارية لهداية النفس البشرية, فالإسلام دين واقعي لا يجنح إلي مثال خيالي يتعامل الناس علي أنهم أجساد بلا أرواح كالجماد أو أرواح بلا أجساد, ولكنه يعاملهم علي أنهم بشر يأكلون ويشربون, ويفرحون ويمرحون, يضحكون ويبكون, لهم غرائزهم, ورغباتهم, كذلك حرم الرهبنة بشتي صورها لتعمر الحياة وكره الامتناع عن الزواج أو الانقطاع للعبادة بالكلية, ونهي عن صوم الدهر وعن صوم الوصال, وعن الإغراق في أداء الشعائر والقربات علي حساب ما أباحه الله تعالي من وسائل العيش الكريم, ولذلك فإن من أهم صفات الشريعة الإسلامية أنها لا تكلف الناس ما لا يستطيعون ولا تطلب منهم مالا يقدرون, فالالتزام بها, والانقياد لأحكامها في حدود الطاقة البشرية, ووسع النفس الإنسانية, قال الله, عز وجل:( وما جعل عليكم في الدين من حرج) سور الحج: الآية78. و(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)185 سورة البقرة, و(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته علي الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا علي القوم الكافرين)286 البقرة, و(يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) سورة النساء:28 وقال رسول الله, صلي الله عليه وسلم:( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وابشروا).

وقد فقه علماء الإسلام المقاصد التشريعية في ديننا الحنيف, فأحكام الشريعة عدل كلها, ورحمة كلها, ومصالح كلها, وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلي الجور, عن الرحمة إلي ضدها, عن المصلحة إلي المفسدة, عن الحكمة إلي العبث فليست من الشريعة, وأن أدخلت فيها بالتعليل, فالشريعة عدل الله بين عباده, ورحمته بين خلقه, وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه, وعلي صدق رسول الله, صلي الله عليه وسلم, وهي نوره الذي أبصر به المبصرون, وهداه الذي اهتدي به المهتدون, وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل, والطريق المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام علي سواء السبيل.

وحضت الشريعة الغراء علي صدق الإيمان الصحيح الراسخ بالله ـ تعالي والعمل الصالح الموصل لرضا الله ـ عز وجل ـ ومثوبته, وعدم الإغراق في الملذات والشهوات بالكلية قال الله ـ تعالي( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) سورة العنكبوت:69 و(ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فأولـئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا), وقال رسول الله, صلي الله عليه وسلم( الإيمان بضع وسبعون شعبة) وفي الحديث القدسي:( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه, وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتي أحبه). وبهذا اتضح أن الإسلام يحقق في النفس البشرية عناصر الدين والدنيا بشكل متوازن يؤلف وينسق بين تطلعات الروح ورغبات الجسد في تهذيب وتوجيه لم يسبق ولن يلحق, وصدق الله العظيم:( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) سورة المائدة:3.