تضارب الفتوى وأثره في مصداقية الخطاب الإسلامي


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

يدرك المتابع لحالة الفتوى اليوم في العالم الإسلامي مدى التضارب الكبير الذي وصلت إليه، بل إن هذا التضارب وصل إلى حدّ التناقض والاختلاف غير المقبول في بعض نواحيه، أعقبه تراشق بين من يصدرون الفتوى واتهامات لبعضهم البعض بما ينافي أصول الاختلاف وأدبياته المقررة في الشريعة الإسلامية.

وقد بدأت الجذور الأولى لانتكاسة التضارب في الفتوى إبان حرب الخليج الأولى عام 1990م، ويكفي نظرة واحدة للفتاوى الصادرة في ذلك الوقت لإدراك هذه الانتكاسة، ثم تتابعت الأحداث والوقائع المؤلمة التي مرت بها أمتنا الإسلامية.

وهذا الاضطراب في الفتوى وقع لأسباب متعددة، أبرزها: الحالة السياسية التي تعيشها المجتمعات الإسلامية، لا سيما بعد ما سُمي بالربيع العربي وما رافقه من أحداث ومشاهد مؤلمة في جميع مناحي الحياة، حيث كان للفتوى حضورها وأثرها الكبير في هذه الأحداث، بل يمكن القول إن كثيراً من هذه الأحداث مؤيدٌ بفتوى بغض النظر عن مصداقيتها ومدى موافقتها للأدلة الشرعية.

ومن هذه الأسباب ما يعود إلى المفتين أنفسهم, ذلك أنّ المفتين يتأثرون بما يجري حولهم من أحداث, ولا يستطيع أي مفتٍ عزل نفسه عن بيئته وعصره والمؤثرات المحيطة به، فالإنسان شاء أم أبى ابن بيئته وعصره، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم – كما قال سيدنا علي رضي الله عنه- فكان لهذا التأثر أثره الكبير في إنتاج فتاوى متضاربة، ومنها ما جاء نتيجة اختلاف وجهات النظر في وقائع يمكن أن تختلف فيها المدارك والأفهام، ومنها ما هو لغرض معين، أو تبعاً لأهواء النفوس، أو لتأييد حزب أو فكر سياسي، أو حتى لمحاباة جمهور من العوام تحت قاعدة (غلبنا عليها العوام) لصناعة شعبية جماهيرية أو حتى لمحاباة الحكام والأنظمة، ولا شكَّ أن هذه أكبر إشكاليات الفتوى في زماننا.

وقد أدّت هذه المظاهر إلى انتشار هواة الفتوى ومدعيها والمستثمرين فيها لمصالحهم، وأغلبهم دعاة عنف وتطرف أو تحلل وانحراف، مما أدى إلى أن يعتلي منبر الإفتاء غير المؤهلين لصناعة الفتوى، وظهور فرق وجماعات سلكت باسم الإسلام سبيل التطرف والعنف وتكفير المجتمعات الإسلامية، استناداً إلى فتاوى متشددة متطرفة اعتمدت على تحريف النصوص الشرعية وتأويلها تأويلاً بعيداً، وفهمها فهماً خاطئاً، أضف إلى ذلك وجود من يتعاطف مع هذه الجماعات ويؤيد فكرها العلمي وفتاواها، وإن كان لا يسلك سبيلها الإجرامي أو القتالي على أرض الواقع.

يقول ابن القيم: "لا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتحيز وموافقة الغرض، فيطيل القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه، ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر" [إعلام الموقعين 4/211].

ومن الأسباب التي أدت إلى حدوث تضارب في الفتوى أيضاً، أسباب مرتبطة بالمستفتي، حيث إن كثيراً من المستفتين الذين يتوجهون بالسؤال إلى المفتين يكون لهم غرض آخر من الفتوى، كإحراج المفتي من خلال السؤال عن سفاسف الأمور أو المسائل الافتراضية التي لم تقع أو لم يتصوّر وقوعها، أو السؤال عما هو شاذ وغريب، وأدهى من ذلك كله هو تحريف السؤال ليأخذ من المفتي إجابة كما يشاء هو، وقد حذر العلماء قديماً من حيل المستفتين وألاعيبهم، ونبهوا إلى أن المفتي يجب أن يكون حاضر الذهن سريع البديهة لا تنطلي عليه حيل المستفتين.

وبما أنّ الخطاب هو كل ما يقدم إلى الناس باسم الإسلام، فإنّ أهم ما يميزه هو المصداقية، ذلك أن الخطاب الإسلامي خطاب رباني مصدره الشريعة الإسلامية التي هي من عند الله عز وجل، قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرً) النساء/82، ولذا فإن أخطر ما يصيب الخطاب الإسلامي هو أن يُثلم في مصداقيته وعدالته.

وبما أنّ الفتوى يمكن أن تتغير نظراً لتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، فإنّ الخطاب الإسلامي يمكن أن يتغير أيضاً بتغير الزمان والمكان، وتغير المخاطبين وأحوالهم، فما تخاطب به فئة لا تخاطب به أخرى، ودليل ذلك أن أسلوب الخطاب في القرآن الكريم في مكة ليس كأسلوب الخطاب في القرآن الكريم في المدينة، بل إن الخطاب القرآني في المدينة قد تطور من حيث أسلوبه وموضوعاته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) رواه أبو داود.

والتجديد المقصود هنا هو التجديد في الظنيات التي فيها مجال واسع للاجتهاد والتجديد، وأما الثوابت والأصول فلا يمسها التجديد لأنها ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان وليست خاضعة للاجتهاد والاختلاف وذلك كالأحكام القطعية في ثبوتها ودلالاتها.

وهنا يجب أن نفرق بين تغير الخطاب الإسلامي وتطوره نظراً لتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، الذي هو علامة على مرونة الشريعة الإسلامية وسعتها ومواكبتها للحوادث المستجدة، وبين تأخر الخطاب الإسلامي وفقدانه المصداقية نتيجة اضطراب الفتوى بما يمس الأصول والثوابت الإسلامية للشريعة الإسلامية، لا سيما في مجال السياسة الشرعية فضلاً عن المجالات الأخرى التي تعاني من إشكالية تحديد الثوابت والمتغيرات والفرق بينهما بصورة واضحة جلية.

فهناك بعض الفتاوى التي أثرت في مصداقية الخطاب الإسلامي وقفزت حتى على الثوابت، مثل فتوى حرق النفس، واختلاف الفتوى فيه حتى ذهب البعض إلى أنه شهيد، وقفز بذلك حتى على الثوابت، أضف إلى ذلك الكثير من الفتاوى التي لا مجال لذكرها وحصرها والتي أضرت صورة الخطاب الإسلامي في أذهان المسلمين، فضلاً عن غيرهم.

وإن هذا التضارب في الفتوى وتأثيره في الخطاب الإسلامي ومصداقيته انعكس على المجتمعات الإسلامية عمومها، وترتب على ذلك ثلاثة أمور:

أولها: أن هذا الخطاب فشل في تقديم صورة ناصعة مشرقة للإسلام، فخرج من رحم العالم الإسلامي المعاصر من شوه صورة الإسلام لدى الآخر، وكان لذلك أثر كبير في الدعوة الإسلامية المعاصرة، مخالفين بذلك المنهج النبوي الأصيل القائم على عرض الإسلام بصورته المشرقة المبنية على السماحة والأخلاق الحميدة الفاضلة، وأفضل الأمثلة على هذا المنهج هو خطاب الصحابي جعفر بن أبي طالب مع النجاشي ملك الحبشة حين عرض الإسلام بصورته الناصعة الصحيحة التي تحبب المستمعين فيه وتدعو الناس إليه فقال: "أيها الملك! كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله عز وجل إلينا نبيا ورسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام والحج من استطاع إليه".

فالمتأمل في هذا الخطاب يدرك أنه يتسق مع الفطرة السليمة والعقل السوي، ولا ينكره إلا من عمي قلبه وضاق صدره.

ثانيها: إنّ هذا الخطاب فشل في تحصين المجتمعات الإسلامية من الأفكار المتطرفة والأفكار المنحرفة التي تبنت منهجاً مغايراً لسماحة الإسلام واعتداله، فأفرزت أفكاراً متطرفة شاذّة اكتوت بنارها هذه المجتمعات قبل غيرها، واستنزفت قدراتها في جميع المجالات وجعلتها عاجزة حتى عن الوقوف في وجه أصحاب هذه الأفكار، وإذا لم نعمل بجد على بلورة خطة عمل لإعادة صياغة خطاب إسلامي قادر على تحصين المجتمعات الإسلامية من خلال الفتوى وأساليب الخطاب الأخرى؛ فإنّ الخطر سيبقى ماثلاً أمام المجتمعات الإسلامية قبل غيرها من المجتمعات.

ثالثها: إن هذا الخطاب عجز عن صياغة العلاقة مع غير المسلمين سواء أكان داخل المجتمعات الإسلامية أم خارجها، وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم علاقة المسلمين بغيرهم من خلال وثيقة المدينة التي كانت خطاباً موجهاً لجميع الفئات في المدينة المنورة من مختلف الديانات التي كانت سائدة فيها من اليهود والوثنيين والمسلمين، فشكلت خطاباً إسلامياً شاملاً يعترف بوجود الغير وحقه في الحياة، ويضع الأسس والقوانين في تعامل المسلمين مع غيرهم داخل المجتمع الإسلامي الواحد.

ومن هنا؛ فإن على العلماء والمفتين والمفكرين أن يدركوا هذا جيداً، وأن يحافظوا على مصداقية الخطاب الإسلامي من خلال المحافظة على مصداقية الفتوى، وأن يرتفعوا بهذا الخطاب فوق أهوائهم ونزواتهم الحزبية والسياسية والفكرية للمحافظة على مصداقية الشريعة الإسلامية.