الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، قَالَ تَعَالَىٰ عَلَىٰ لِسَانِ النَّبِيِّ شُعَيْبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ﴿… وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ﴾ هُودٌ: ٨٨. وَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَىٰ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ». (سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ). إِنَّ الْإِصْلَاحَ مِنَ الْفَضَائِلِ النَّبِيلَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الشَّرَائِعُ السَّمَاوِيَّةُ، وَمَقْصِدُ كُلِّ نَبِيٍّ وَمُصْلِحٍ. وَإِنَّ الرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةَ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا رِسَالَةُ الْإِسْلَامِ، هِيَ رِسَالَاتُ إِصْلَاحٍ وَبِنَاءٍ، شَمِلَتْ كُلَّ جَوَانِبِ الْحَيَاةِ الْمَادِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ، مِنْ إِصْلَاحِ النَّفْسِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَهُوَ تَقْوِيمُ الْمُعْوَجِّ وَإِصْلَاحُ الْفَاسِدِ، وَالسَّعْيُ لِتَحْقِيقِ الْخَيْرِ لِلنَّاسِ، وَهُوَ ضِدُّ الْإِفْسَادِ الَّذِي حَذَّرَ اللَّهُ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ الأَعْرَافُ: ٥٦. الْمِحْوَرُ الْأَوَّلُ: أَهَمِّيَّةُ الْإِصْلَاحِ الْإِصْلَاحُ قِيمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ وَأَخْلَاقِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَوَسِيلَةٌ مُبَارَكَةٌ لِتَعْمِيقِ الْأُخُوَّةِ وَتَقْرِيبِ الْقُلُوبِ. إِنَّ وَاقِعَنَا الْيَوْمَ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى الْمُصْلِحِينَ الصَّادِقِينَ؛ نَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُصْلِحُ الْبُيُوتَ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَالْأَخْلَاقَ وَالْمُعَامَلَاتِ، نَحْتَاجُ إِلَى إِصْلَاحٍ يَبْدَأُ مِنَ النَّفْسِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْأُسْرَةِ، ثُمَّ إِلَى الْمُجْتَمَعِ، ثُمَّ إِلَى الْحُكَمَاءِ وَالْمَسْؤُولِينَ؛ لِذَلِكَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ: أَوَّلًا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا مَسْؤُولٌ عَنِ الْإِصْلَاحِ فِي دَائِرَتِهِ وَفِي مُحِيطِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ الْإِصْلَاحَ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ وَمَكَانَتِهِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ثَانِيًا: أَنَّ الْإِخْلَاصَ فِي النِّيَّةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا؛ فَالْمُصْلِحُ لَا يُرِيدُ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ، وَالسَّعْيَ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ دُونَ تَفْرِيطٍ أَوْ إِفْرَاطٍ: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ هُودٌ: ٨٨. ثَالِثًا: الْبَدْءُ بِالنَّفْسِ؛ فَلَا يَأْمُرُ النَّاسَ بِشَيْءٍ وَهُوَ يُخَالِفُهُ، كَمَا قَالَ شُعَيْبٌ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾. وَهُوَ يُعْلِنُ بِوُضُوحٍ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ، لَا يَبْتَغِي جَاهًا وَلَا مَالًا وَلَا سُلْطَانًا، بَلْ يُرِيدُ إِصْلَاحَ حَالِ قَوْمِهِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. رَابِعًا: الْإِصْلَاحُ أَمَانَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ؛ فَلْنَبْدَأْ بِإِصْلَاحِ حَالِنَا، وَلْنَكُنْ قُدْوَةً صَالِحَةً لِغَيْرِنَا، وَلْنَسْعَ فِي الْإِصْلَاحِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ؛ فَالْإِصْلَاحُ لَا يَكُونُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ بِالتَّدَرُّجِ وَالْحِكْمَةِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ رَأَىٰ مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْمِحْوَرُ الثَّاني: أَثَرُ الْإِصْلَاحِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ إِنَّ لِلْإِصْلَاحِ آثَارًا عَظِيمَةً وَثِمَارًا جَلِيلَةً عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ؛ مِنْهَا: أَوَّلًا: أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْمَحَبَّةِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ، وَالِاسْتِقْرَارِ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَإِطْفَاءِ نَارِ الْفِتْنَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَيُسَاهِمُ فِي تَقْلِيلِ النِّزَاعَاتِ؛ فَالصُّلْحُ وَالْإِصْلَاحُ خَيْرٌ كُلُّهُ، سَوَاءٌ كَانَ الصُّلْحُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، أَوْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ، أَوْ بَيْنَ الْآخَرِينَ. قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ النِّسَاءُ: ١٢٨. ثَانِيًا: صَلَاحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَالْمُصْلِحُ يَسْعَدُ فِي الدُّنْيَا بِرِضَا اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَيَفُوزُ فِي الْآخِرَةِ بِالْجَنَّةِ وَرِضْوَانِ اللَّهِ. ثَالِثًا: الْأَجْرُ الْعَظِيمُ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا». مسلم. رَابِعًا: تَعْزِيزُ الْعَلَاقَاتِ وَبِنَاءُ الثِّقَةِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَتَرْسِيخُ قِيَمِ التَّآلُفِ وَالتَّسَامُحِ وَالتَّفَاهُمِ وَالْحِوَارِ بَيْنَ الثَّقَافَاتِ وَأَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ». (الْمُعْجَمُ الْأَوْسَطُ). خَامِسًا: مُعَالَجَةُ الْمَشَاكِلِ وَالْخِلَافَاتِ الطَّارِئَةِ. قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الأَنْفَالُ: ١.
|