الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ. قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَىٰ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الإِسْرَاء: ١. وَقَالَ الْحَبِيبُ ﷺ: (ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ: فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ، وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ، فَقَالَ: اشْرَبْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ: أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. إِنَّ الْإِسْرَاءَ وَالْمِعْرَاجَ مِنْ أَعْظَمِ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا ﷺ، وَهِيَ رِحْلَةٌ رَبَّانِيَّةٌ بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ اخْتَصَّ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ الْكَرِيمَ، أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَىٰ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ الْعُلَىٰ حَتَّىٰ بَلَغَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَىٰ وَرَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ، جَاءَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ تَكْرِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الْإِيذَاءِ وَإِعْرَاضِ قَوْمِهِ لِدَعْوَتِهِ الْإِسْلَامِيَّةِ، خَاصَّةً عِنْدَمَا ذَهَبَ إِلَى الطَّائِفِ لِنَشْرِ دِينِ اللَّهِ فَعَادَ مَهْمُومًا وَآذَوْهُ كَثِيرًا، وَهُوَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ...). الْمِحْوَرُ الْأَوَّلُ: بَعْدَ كُلِّ مِحْنَةٍ مِنْحَةٌ. إِنَّ مُعْجِزَةَ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ بِمَثَابَةِ لِقَاءٍ خَاصٍّ وَدَعْوَةٍ كَرِيمَةٍ إِلَىٰ رَبِّهِ الْجَلِيلِ، تُعَبِّرُ عَنْ مَرْحَلَةٍ مَلِيئَةٍ بِالْمَآسِي وَالْأَحْزَانِ مِنْ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ وَخَدِيجَةَ صَاحِبَتِهِ، وَتَحَمُّلِهِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الضَّرَرِ الْجَسَدِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، فَجَاءَتْ بَعْدَهَا هَذِهِ الرِّحْلَةُ الْمُبَارَكَةُ كَمِنْحَةٍ إِلَهِيَّةٍ لِنَبِيِّهِ الْكَرِيمِ تَسْلِيَةً لِأَحْزَانِهِ وَتَثْبِيتًا لِفُؤَادِهِ وَرَفْعًا لِمَكَانَتِهِ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾ النَّجْم: ٨–٩. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ مَهْمَا وَاجَهَتْهُ الْبَلَاءُ وَالْمَصَائِبُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْقَىٰ مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ، وَأَنْ يَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي فُرِضَتْ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ، وَأَنْ لَا يَغْمُرَهُ الْيَأْسُ وَالْقُنُوطُ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الْأَنْعَامُ: ٤٣. وَأَعْظَمُ مِنْحَةٍ رَبَّانِيَّةٍ لِنَبِيِّهِ وَلِأُمَّتِهِ الصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَةُ لِتَكُونَ صِلَةً مُبَاشِرَةً بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ وَمِعْرَاجًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ يَتَفَيَّؤُونَ خِلَالَهَا كُلَّ يَوْمٍ ظِلَالَ الْقُرْبِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ الْأَنْبِيَاءُ: ٧٣. الْمِحْوَرُ الثَّانِي: لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ. هَذِهِ الرِّحْلَةُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ رِحْلَةٍ عَادِيَّةٍ بَلْ تَأْيِيدًا لِصَاحِبِ الدَّعْوَةِ وَالرِّسَالَةِ، الَّتِي تَزِيدُ إِيمَانَ الْمُسْلِمِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ، لِذَلِكَ شَهِدَ مِنَ الْمَشَاهِدِ وَالْمُعْجِزَاتِ مَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ اسْتِيعَابِهِ، مِثْلَ مُشَاهَدَتِهِ لِلْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَصُعُودِهِ إِلَىٰ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ، وَلِقَائِهِ بِالْأَنْبِيَاءِ، حَيْثُ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ. أَوَّلًا: رُؤْيَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَىٰ صُورَتِهِ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ﴾ النَّجْم: ١٣–١٤. ثَانِيًا: الْبُرَاقُ؛ وَهُوَ دَابَّةٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، الَّذِي هُوَ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِ اللَّهِ. ثَالِثًا: رُؤْيَةُ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَىٰ رَغْمَ أَنَّهُ دَخَلَهُ لَيْلًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكَرِبْتُ كَرْبَةً مَا كَرِبْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. رَابِعًا: رُؤْيَتُهُ ﷺ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ وَسِدْرَةَ الْمُنْتَهَىٰ، وَهِيَ الْمَقَامُ الَّذِي تَصِلُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الْخَلْقِ وَتَصْدُرُ مِنْهَا. خَامِسًا: الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، لَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بَعْضَ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ، وَبَعْضًا مِنْ أَهْوَالِ أَصْحَابِ النَّارِ، فِي مَجَالِ الْأَمَانَةِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَخُطُورَةِ الْكَلِمَةِ، وَعَذَابِ آكِلِي الرِّبَا، وَمُرْتَكِبِي الْفَوَاحِشِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا...) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. |