نداء السَّحَر

 

خلف جدران الليل ما تخفيه، وهو أن قائم الليل كلما زاد خفاؤه ازداد رفعة وشرفا.

هناك، إذا غرقت معالم الأرض في ظلمة الليل البهيم، وأطبق الصمت على الكائنات وساد السكون، تجافت جنوب طائفة من عباد الله عن المضاجع، فمسحوا آثار النوم عن عيونهم، وأبعدوا الدثار وهجروا الفراش، وهبوا من رقادهم لأمر جلل. فقد رأوا أنهم قد أخذوا من النوم قسطا يكفيهم، وآن لهم أن يستنفروا الهمم، لأن العمر أقصر من أن تمضي ساعاته في نوم طويل.

لهجت ألسنتهم بما تيسر من ذكرٍ لله، وعلى وجوههم سال ماء الوضوء فزادها وضاءة، ثم أقبلوا على الباري بركعتين، وبذكرٍ أعقبه وضوء فصلاة، برئت نفوسهم من حظٍ أراد الشيطان أن يناله منها، فنشطت وطابت، وتهيأت لسويعات قادمة، تسابق فيها طلوع الفجر.

لقد استشعر أولئك في كياناتهم نداء رب السماء في ثلث الليل الأخير "مَن يدعوني فأستجيب له.. من يسألني فأعطيه.. من يستغفرني فأغفر له". فما وجدوا إلا أن يلبوا دعوة الخالق للخلق، للإقبال عليه والوقوف بين يديه، ليزدادوا منه قربا وإليه تضرعا، ومعه طمأنينة وراحة وأمنا. فيا لهناء من أجاب الدعوة، ويا لسعادة من قبلها وأقبل عليها.

نتحدث عن أناس نظروا في حالهم ومآلهم، فعرفوا أنهم في دار اختبار، وسيصيرون إلى دار جزاء، فيها يقفون أمام الجبار للحساب في يوم يجعل الولدان شيبا، وقد علموا أن السلامة يومئذ تستدعي التخفف من الآثام اليوم، وأن الفوز حينها يقتضي الاستكثار من الصالحات الآن؛ فتبينوا المنطلق، وحددوا الغاية، وسلكوا الطريق.

هم عرفوا أنهم بشر يخطئون، لكنهم علموا أن لهم ربّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، وأنه أبقى لعباده باب التوبة مفتوحا، وقد قرؤوا كتاب الله فوقفوا عند قوله تعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون} [سورة الذاريات: 18]، وفهموا الثناء على المقبلين على ربهم في ساعات السحر يرجون منه العفو والغفران، وأن لهؤلاء حظا وافرا من القبول، ونصيبا عاليا من الرضى، فأتوا ربهم مستغفرين تائبين في الساعة التي ارتضاها لهم، وقد انتزعوا أنفسهم من لذة النوم ودفء الفراش، وإنه لجهاد لا يقوى عليه إلا المصطفون، فحري بمن جاز تلك المشاق أن ينال الغاية التي سعى لها، فيغفر الرب ذنبه، ويتوب عليه، ويُنعم عليه بالمزيد.

وكما يؤرِّق قائم الليل خوف من النيران، يحفزه شوق إلى الجنان، فيدعو الله طامعا، كما يدعوه خائفا، وهذه الصورة بما فيها من مشاعر ودوافع، وما تحمله من تلهف أو قلق، نتلمسها في قوله تعالى: {تتجافىٰ جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقنـٰهم ينفقون} [سورة السجدة: 16]. ويتناغم النسق القرآني البديع في ربط النتائج بالمقدمات، لتأتي الآية اللاحقة وتخبرنا عما ستؤول إليه حال أولئك، فنقرأ: {فلا تعلم نفس ما أُخفِیَ لهم من قرة أعین جزاء بما كانوا یعملون} [سورة السجدة: 17]، فنفهم أن سؤال النفس عن ماهية الجزاء لن يلقى في هذه الدنيا إجابة، لأن الجزاء يفوق كل إدراك، ويعلو كل تصور. وإن بين الآيتين لرابطا بديعا يكشفه الحسن البصري، رحمه الله، إذ يقول: (أخفى قوم عملهم فأخفى الله لهم ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر).

وعند السحر تطرح نفوس القائمين همومها بدموع صادقة، وتُلقي أحمالها بدعاء مخلص، وتنال سكينتها بقراءة متدبرة لكتاب الله، ووقوف خاشع بين يدي مالك الملك للصلاة؛ فحينها تتنزل رحمات الله، وتغشى الملائكة المكان، وتغمر النفسَ مشاعرُ راحة عجيبة، لا يبلغ عُشر معشارها آخرون أرادوا الراحة فظنوها في نوم عميق يغطون فيه. إذ ليس ثمة راحة تعدل راحة القرب من الله. وللوصول إلى هذه المنزلة وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن".

إيه يا قائم الليل ما أقوى فطنتك، وما أعظم مغنمك!. وما أرفع شأنك، وما أعلى مكانتك!.

بشراك مرتبة شرف أكدها قول جبريل الملك لمحمد النبي "اعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل". فهنيئا لك يا قائم الليل وطوبى!.

لقد سبقنا أهل القيام في الليل، فهل سبقناهم في النهار؟.. هيهات هيهات، فذلك ما كان، وأنّى له أن يكون؟. إن نهارهم سعي دؤوب وعمل مثمر، لأن القائم في السحر إنما يتأسّى بفعل محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا رهبانا في الليل فرسانا في النهار!. ولا غرابة في ذلك، إذ القيام في الليل يطرد الداء من الجسد كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد".

 

وإذا ما طُرد الداء عن الجسد غاب العجز والكسل، وحلَّ العزم والنشاط. عزم تحتاجه أمة الإسلام لتنهض من كبوتها، ونشاط تعود به إلى الحياة من جديد.